كمال الدين دميري
508
حياة الحيوان الكبرى
تغاديه وتراوحه ، وقيل : بل كان يتغذى من اليقطينة ، فيجد منها ألوان الطعام وأنواع شهواته . والحكمة في إنبات اللَّه اليقطينة عليه ، أن من خاصية اليقطين أن لا يقربه الذباب ، ومن خواصه أن ماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أيضا . فأقام عليه الصلاة والسلام تحتها إلى أن صح جسده ، لأن ورق الفرع أنفع شيء لمن يسلخ جلده عن جسده ، كيونس عليه السلام . وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يوما نائما ، فأيبس اللَّه تعالى تلك اليقطينة . وقيل : أرسل اللَّه تعالى عليها الأرضة ، فقطعت عروقها فانتبه عليه السلام فوجد حر الشمس ، فعز عليه شأنها وجزع ، فأوحى اللَّه تعالى إليه : يا يونس جزعت ليبس يقطينة ، ولم تجزع لهلاك مائة ألف أو يزيدون ، تابوا فتيب عليهم . وما أحسن قول « 1 » الجوهري ، صاحب الصحاح : فها أنا يونس في بطن حوت بنيسابور في ظلّ الغمام فبيتي والفؤاد ويوم دجن ظلام في ظلام في ظلام وقول « 2 » الآخر : مغيث أيوب والكافي لذي النون ينيلني فرجا بالكاف والنون وقول آخر في المعنى : ربما عالج القوافي رجال في القوافي فتلتوي وتلين طاوعتهم عين وعين وعين وعصتهم نون ونون ونون قال الشيخ جمال الدين بن الحاجب : معنى قوله : عين وعين وعين ، يعني به نحو يد وغد ودد ، لأنها عينات مطاوعات في القوافي ، مرفوعة كانت أو منصوبة أو مجرورة ، لأن وزن يدفع ووزن غدفع ووزن ددفع ، وقوله : وعصتهم نون ونون ونون : الحوت يسمى نونا ، والدواة تسمى نونا والنون الذي هو الحرف وكلها نونات غير مطاوعة في القوافي ، إذ لا يلتئم واحد منها مع الآخر . فائدة : روى الدينوري في المجالسة ، وأبو عمر بن عبد البر في التمهيد ، عن أبي العباس محمد بن إسحاق السراج ، قال : حدثنا هشيم عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما ، قال : كتب صاحب الروم إلى معاوية رضي اللَّه تعالى عنه يسأله عن أفضل الكلام ما هو ؟ وعن الثاني والثالث والرابع والخامس ، وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على اللَّه ، وعن أكرم الإماء على اللَّه ، وعن أربعة من الخلق ، فيهم الروح لم يرتكضوا في رحم ، ويسأله عن قبر مشى بصاحبه ، وعن المجرة وعن القوس ، وعن مكان طلعت فيه الشمس ، لم تطلع عليه قبل ذلك ، ولم تطلع عليه بعده ؟ فلما قرأ معاوية الكتاب ، قال : أخزاه اللَّه تعالى ، وما علمي بما ههنا ! فقيل له : اكتب إلى ابن عباس فكتب إليه بذلك ، فكتب إليه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما :
--> « 1 » معجم الأدباء : 2 / 209 . « 2 » وفيات الأعيان : 3 / 249 .